الشيخ الطبرسي
316
تفسير مجمع البيان
وأبصروها ، وانتفعوا بها ، وتدبروا لها . قال الحسن : كم من قارئ يقرؤها فخر عليها أصم وأعمى . وقال الأخفش : لم يخروا عليها أي : لم يقيموا . وقال ابن قتيبة : لم يتغافلوا عنها ، كأنهم صم لم يسمعوها ، وعمي لم يروها . ( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) أي : اجعل أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ، بأن نراهم يطيعون الله ، عن الحسن . وقيل : معناه ارزقنا من أزواجنا أولادا ، ومن ذريتنا أعقابا ، قرة أعين أي أهل طاعة تقر بهم أعيننا في الدنيا بالصلاح ، وفي الآخرة بالجنة . ( واجعلنا للمتقين إماما ) أي : اجعلنا ممن يقتدي بنا المتقون طلبوا العز بالتقوى لا بالدنيا . وقيل : معناه اجعلنا نأتم بمن قبلنا حتى يأتم أي : يقتدي بنا من بعدنا . وعلى هذا فيجوز أن يكون اللام في اللفظ في المتقين ، وفي المعنى في نا ، والتقدير : واجعل المتقين لنا إماما . ومثله قول الشاعر : " كأننا رعن قف يرفع الآلا " ( 1 ) . والتقدير : يرفعه الآل . ثم أخبر سبحانه عن جميع هذه الأوصاف ، فقال : ( أولئك يجزون الغرفة ) أي : يثابون الدرجة الرفيعة في الجنة ( بما صبروا ) على أمر ربهم ، وطاعة نبيهم ، وعلى مشاق الدنيا ، وصعوبة التكليف . وقيل : هي غرف الزبرجد والدر والياقوت عن عطا . والغرفة في الأصل : بناء فوق بناء . وقيل : الغرفة اسم لأعلى منازل الجنة وأفضلها ، كما أنها في الدنيا أعلى المساكن . ( ويلقون فيها تحية وسلاما ) أي : تتلقاهم الملائكة فيها بالتحية ، وهي كل قول يسر به الانسان ، وبالسلام بشارة لهم بعظيم الثواب . وقيل : التحية الملك العظيم ، والسلام جميع أنواع السلامة . وقيل : التحية البقاء الدائم . وقال الكلبي : يحيي بعضهم بعضا بالسلام ، ويرسل إليهم الرب بالسلام . ( خالدين ) أي : مقيمين ( فيها ) من غير موت ولا زوال ( حسنت ) الغرفة ( مستقرا ومقاما ) أي : موضع قرار واستقامة . ( قل ) يا محمد ( ما يعبؤ بكم ربي ) أي : ما يصنع بكم ربي ، عن مجاهد وابن زيد . وقيل : ما يبالي بكم ربي ، عن أبي عمرو بن العلاء . وما لا يعبؤ به ، فوجوده وعدمه سواء . .
--> ( 1 ) عجز بيت للنابغة . وصدره : ( حتى لحقنا بهم تعدى فوارسنا " ، والرعن : الأنف العظيم من الجبل تراه متقدما . والقف : ما ارتفع من الأرض وغلظ . والآل : السراب